الصبر والامتنان
الصبر والامتنان: السرّ الهادئ الذي غيّر حياتي
لو سألتني ما الذي غيّر حياتي أكثر من أي شيء، لما قلت لك إنه قرار كبير ولا حدث استثنائي. بل قلت إنه شيئان صغيران هادئان: الصبر والامتنان. لم أفهمهما في شبابي، ولم أكن أراهما شيئًا ذا قيمة، حتى دفعت ثمن جهلي بهما سنوات طويلة.
أنا بلال، وفي مقالاتي السابقة حكيت لكم عن الضياع والتغيير والأسرة والمطبخ. واليوم أحكي لكم عن الخيطين اللذين ربطا كل هذه المراحل ببعضها، وكيف صنعا مني إنسانًا آخر.
في شبابي كنت أريد كل شيء بسرعة. أريد الحرية الآن، والقبول الآن، والراحة الآن، ولم أكن أحتمل الانتظار. وكانت النتيجة أنني اخترت أسرع الطرق، وكان أسرعها هو الأخطأ. الكأس يعطيك راحة بعد دقائق، والرفاق يمنحونك الانتماء في ليلة واحدة، لكنهما يأخذان منك سنوات. وفهمت لاحقًا أن كل ما هو سريع الوصول سريع الزوال، وأن الأشياء الثمينة تحتاج وقتًا لتنضج.
وبدأ الصبر يدخل حياتي مع أول يوم وقفت فيه عند مجلى الصحون. كنت أرى الطهاة يتحركون بمهارة وأنا أغسل الأطباق، وكنت أتمنى لو أصل إلى مكانهم في يوم واحد. لكنني تعلمت أن السلّم لا يُصعد قفزًا، وأن كل درجة لها وقتها. صبرت سنوات حتى تعلمت الطبخ، وصبرت أكثر حتى صرت شيفًا. ولو أنني استعجلت أو استسلمت في منتصف الطريق، لما وصلت.
وتعلمت أن الصبر ليس انتظارًا سلبيًا، بل هو عمل مستمر مع ثقة بأن الثمرة ستأتي. الصبر أن تستيقظ كل صباح وتؤدي ما عليك وإن لم ترَ النتيجة بعد. وهو أن تتحمل نظرات الناس الشاكّة، وأن تثبت نفسك بالأفعال يومًا بعد يوم حتى تتغير الصورة في أذهانهم. وهو أن تسقط فتنهض دون أن تفقد الأمل.
أما الامتنان فجاءني متأخرًا، وكان أعمق تحول في داخلي. لسنوات طويلة كنت أنظر إلى ما ينقصني: ما لم يكن لي، ومن لم يقف معي، وما ضاع مني. وكانت عيناي لا تريان إلا الفراغ. ثم في يوم من الأيام، وأنا أجلس في بيتي وأنظر إلى أبنائي حولي، فهمت أنني كنت أعيش وسط نعم لم أنتبه لها. سقف يظللني، وزوجة تحبني، وأبناء يكبرون أمام عيني، وصحة ما زالت تحملني إلى عملي.
ومنذ ذلك اليوم صرت أمارس الامتنان كعادة يومية. في الصباح أشكر الله أنني استيقظت، وفي المساء أتذكر ثلاثة أشياء جميلة حدثت في يومي مهما كان اليوم ثقيلًا. قد تكون كوب قهوة هادئًا، أو ضحكة ابنتي، أو كلمة طيبة من زميل. وهذه العادة البسيطة غيّرت طريقة نظري إلى الحياة. فالامتنان لا يغيّر ما في يدك، لكنه يغيّر ما ترى فيها.
واكتشفت أن الامتنان يداوي الألم أيضًا. فحين تشكر على ما لديك، يخف وزن ما فقدت. لم أنسَ سنواتي الضائعة، لكنني صرت أنظر إليها بامتنان لأنها صنعتني، ولولاها لما عرفت قيمة بيتي. وصرت أشكر حتى الذين خذلوني، لأن خذلانهم علّمني أن أعرف الصادقين.
وتعلمت أن الصبر والامتنان يكمّل أحدهما الآخر. فالصبر يمنحك القدرة على الاستمرار حين يكون الطريق شاقًا، والامتنان يمنحك القدرة على الاستمتاع بالطريق نفسه، لا بنهايته فقط. ومن امتلك الاثنين لا تكسره الشدائد، ولا تفسده النعم.
وإن كنت تسألني كيف أبدأ، فهذه خطوات بسيطة جربتها:
اكتب كل مساء ثلاثة أشياء تشكر عليها، ولو كانت صغيرة جدًا.
حين تشعر بالاستعجال، اسأل نفسك: هل هذا الشيء يستحق أن أدفع ثمنه غدًا؟
قسّم أهدافك الكبيرة إلى خطوات صغيرة، واحتفل بكل خطوة.
وحين تسقط، لا تبدأ من الصفر، بل ابدأ من حيث وصلت.
أريد أن أقول لك، يا من تقرأ كلماتي: لا تحتقر الأشياء الهادئة. الصبر والامتنان لا يصنعان ضجيجًا، لكنهما يبنيان حياة كاملة بصمت. ابدأ اليوم بأن تشكر على شيء واحد، واصبر على شيء واحد، وسترى بعد زمن أنك صرت إنسانًا آخر دون أن تشعر.
شكرًا لأنك رافقتني في هذه الرحلة، وأهلًا بك دائمًا في مدونتي "دليلك لحياة أفضل".

تعليقات
إرسال تعليق