المشاركات

دعاء أمي وصبر أبي

صورة
  أهلي الذين لم يتخلوا عني اسمي بلال، وأريد في هذا المقال أن أكتب عن أناس لم يتركوني يومًا، حتى حين تركت أنا نفسي. أريد أن أكتب عن أمي وأبي. في أيام ضياعي كنت أعود إلى البيت متأخرًا، وأحيانًا لا أعود إلا مع الفجر. وكنت أظن أن الجميع نائم ولا أحد يشعر بي. لكنني كنت أفتح الباب بهدوء فأجد أمي جالسة في مكانها، لم تنم، وعيناها متعبتان من طول السهر. لم تكن تصرخ في وجهي، بل كانت تسألني بصوت منكسر: هل أكلت يا بلال؟ هل أنت بخير؟ وكنت أتهرب من النظر إلى عينيها، لأنني كنت أعرف أن كل ليلة من السهر تأخذ شيئًا من صحتها وقلبها. أما أبي فكان يحمل همه بصمت. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان كثير الفعل. كان يذهب من مكان إلى مكان، يسأل عني، ويطرق أبواب الأقارب والمعارف، ويبحث عن أي طريق يمكن أن يعيدني إلى حياتي. كم من مرة عاد إلى البيت مرهقًا وقد أنهكه التعب، ثم خرج في اليوم التالي من جديد دون أن يشتكي. لم يقل لي يومًا أنه تعب مني، بل كان يقول فقط: ما دمت حيًا فلن أترك ابني. وكنت أسمع دعاء أمي في آخر الليل، تذكر اسمي بين دعواتها، وتطلب لي الهداية والستر. ولا أشك أن تلك الدعوات كانت من أسباب نجاتي، فقد كان...

ما وراء الحكاية

صورة
  نظرة المجتمع لمن ضلّ الطريق أصعب ما في الضياع ليس الضياع نفسه، بل نظرة الناس إلى من يضيع. فحين يخطئ الإنسان أو يسير في طريق خاطئ، يُحكم عليه سريعًا، ويُختصر في خطئه، وكأنه لم يكن يومًا شيئًا غيره. عشت هذه النظرة بنفسي. رأيتها في عيون بعض الناس حين أمرّ بهم، وسمعتها في همسات لم تكن تقصدني وحدي لكنها كانت تؤلمني. كلمات مثل فاشل وضائع وميؤوس منه، تُقال بسهولة وتُحمل بثقل سنوات. وكنت أتساءل: هل من حق أحد أن يغلق باب الأمل في وجه إنسان لم تنتهِ قصته بعد؟ والحقيقة أن كثيرًا ممن يحكمون على غيرهم لا يعرفون ما وراء الحكاية. لا يعرفون الألم الذي دفع هذا إلى الهروب، ولا الظروف التي دفعت ذاك إلى الطريق الخطأ، ولا الجهد الخفي الذي يبذله كل يوم ليعود. فالناس يرون النتيجة، ولا يرون الرحلة. ومع ذلك، تعلمت ألا أحمل الجميع على محمل السوء. فبعضهم يحكم بدافع الخوف على أبنائه، وبعضهم يتكلم لأنه لا يعرف غير هذه اللغة. وفي المقابل وجدت أناسًا كانت كلمة طيبة منهم سببًا في نهوضي، وهؤلاء هم الذين أتمنى أن نكون مثلهم. أقول لمن يمشي اليوم في طريق خاطئ: لا تجعل نظرة المجتمع هي الحكم الأخير عليك. أنت لست أخطا...

الحب في مرحلة الشباب

صورة
  حب الشباب، حين يكون وهمًا كثير من الشباب يظنون أن الحب هو الإجابة عن كل فراغ في حياتهم. وقد مررت بهذه التجربة، وأعرف كيف يبدو الوهم حقيقيًا حين نعيشه. في أيام ضياعي كنت أبحث عن شيء يملأ الفراغ الذي في داخلي. وحين ظهر شخص اهتم بي، ظننت أنني وجدت الجواب. صرت أفكر فيه ليلًا ونهارًا، وأبني في خيالي مستقبلًا كاملًا لم يوجد إلا في رأسي. لكنني لم أكن أحب الشخص نفسه، بل كنت أحب الصورة التي رسمتها له، وأحب الشعور بأن أحدًا يراني. ومع الوقت سقطت الصورة. اكتشفت أنني لم أعرف هذا الإنسان أصلًا، وأن ما سميته حبًا كان في الحقيقة حاجة إلى الاهتمام، وهروبًا من الوحدة، وانبهارًا بالكلمات الجميلة. وحين انتهت العلاقة تألمت كثيرًا، لكن الألم الأكبر كان في الوقت الذي ضاع مني، وفي الأحلام التي أجّلتها من أجل وهم. أكثر ما يخدع الشباب في هذا الباب أنهم يظنون أن شدة الشعور تعني صدقه. والحقيقة أن الإعجاب يشتعل بسرعة ويخبو بسرعة، أما الحب الحقيقي فيحتاج إلى معرفة وصبر ومسؤولية، ويحتاج قبل ذلك إلى إنسان يعرف نفسه ويقف على قدميه. ومن لا يحب نفسه ولا يعرف طريقه، سيتعلق بأول يد تمتد إليه، ثم يسمي تعلقه حبًا. نص...

الرفقة التي تصنع مصيرك

صورة
  الرفقة التي تصنع مصيرك يقولون إن الإنسان على دين خليله، وقد عشت هذه الحقيقة بنفسي قبل أن أقرأها في الكتب. فالأشخاص الذين نجلس معهم كل يوم يصنعون أفكارنا وعاداتنا وأحلامنا دون أن نشعر. في أيام ضياعي كانت لي رفقة لا تسأل عن هدف ولا تتحدث عن مستقبل. كانت جلساتنا تدور حول تضييع الوقت والسخرية من كل من يحاول أن يجتهد. وكنت أضحك معهم، لكنني كنت أعود إلى البيت وأشعر بفراغ كبير. كنت أعرف في أعماقي أنني لا أنتمي إلى هذا المكان، لكنني خفت من الوحدة أكثر مما خفت من الضياع. ثم جاء يوم فهمت فيه أن الوحدة المؤقتة أفضل ألف مرة من رفقة تسحبك إلى الأسفل. ابتعدت بهدوء ودون عداوة، ودعوت لهم بالخير. وكانت الأسابيع الأولى ثقيلة، لكنني بدأت أمتلك وقتًا لنفسي، ووجدت فيه ما لم أجده في كل تلك الجلسات. ومع الوقت بدأت أتعرف على أشخاص مختلفين، شباب يعملون ويتعلمون ويحلمون. كلمة تشجيع واحدة من أحدهم كانت تعطيني طاقة أسبوعًا كاملًا. وأدركت أن الناجحين لا يتفوقون علينا بالذكاء فقط، بل بالبيئة التي اختاروها لأنفسهم. فإن أردت نصيحة صادقة، فراجع قائمة من حولك. اسأل نفسك: هل يقربني هذا الشخص من أهدافي أم يبعدني عن...

عندما ضللت الطريق

صورة
هناك لحظة في حياة كل إنسان يستيقظ فيها فيجد نفسه في مكان لا يعرفه. لا يعرف كيف وصل إليه، ولا يعرف كيف يعود. هذه اللحظة عشتها أنا، وأعرف جيدًا طعم الضياع. لم يكن ضياعي ضجيجًا ولا حادثة كبيرة، بل كان صمتًا ثقيلًا. كنت أمشي كل يوم بلا هدف، أنظر إلى الآخرين وهم يتقدمون، وأسأل نفسي: لماذا توقفت أنا؟ كنت أضحك أمام الناس، وأحمل في داخلي أسئلة لا أجرؤ على قولها بصوت عالٍ. مرت عليّ أيام ظننت فيها أن الطريق انتهى، وأن الفرصة ذهبت ولن تعود. وكنت أخطئ كل مرة حين أقارن نفسي بغيري، فأرى نجاحهم الظاهر وأنسى أن لكل واحد منهم معركته الخفية. تعلمت من تلك المرحلة أن الضياع ليس نهاية القصة، بل هو في كثير من الأحيان بدايتها. فالإنسان لا يبحث عن الطريق الصحيح بجدية إلا بعد أن يتعب من الطرق الخاطئة. وكل خطأ ارتكبته صار درسًا، وكل دمعة صارت خبرة أستطيع اليوم أن أشارك بها من يمر بما مررت به. إن كنت تقرأ هذه الكلمات وأنت تشعر أنك تائه، فأريدك أن تعرف أنك لست وحدك، وأن شعورك هذا لا يعني أنك فاشل. إنه يعني فقط أنك تحتاج إلى وقفة صادقة مع نفسك، وإلى خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح. في المقالات القادمة سأحكي لك كيف بد...

سنوات الضياع

صورة
 سنوات أمضيتها في الشوارع أنا بلال، وهذه ليست قصة أفتخر بها، لكنني أحكيها لأنني أعرف أن في الشوارع اليوم شبابًا يشبهونني، وربما يقرأ أحدهم هذه الكلمات فتوقفه عن خطأ دفعت أنا ثمنه سنوات. كيف وصلت إلى الشارع لم أخرج يومًا من بيتي وأنا أقول إنني سأضيع. بدأ الأمر بخطوات صغيرة. كنت في طفولتي ولدًا خجولًا يبتلع كلماته، وحين كبرت قليلًا أردت أن يسمعني أحد. وجدت في الشارع من يسمعني ويضحك معي ولا يسألني من أنا ولا ماذا أريد. ظننت أنني وجدت أصدقاء، وكنت في الحقيقة أجد مكانًا أنتمي إليه. ما كنت أظنه حرية كنت أقول لنفسي إنني حر، لا أحد يأمرني ولا أحد يحاسبني. وفي الحقيقة كنت أسيرًا لرفقة تقودني، ولعادات تأخذ مني أكثر مما تعطيني. كانت الليالي طويلة والضحك عاليًا، وكان الصباح يأتي بفراغ لا أعرف كيف أملؤه. الحرية التي ظننتها كانت هروبًا من نفسي ومن مسؤولياتي. الثمن الذي دفعته دفعت الثمن من عمري وسمعتي وراحة أهلي. مرت سنوات وأنا أرى أمي تنتظرني، وأسمع نصيحة لا أنفذها. ثم جاءت أيام السجن والكأس، وهناك فهمت أن الطريق الذي ظننته حرية لا يؤدي إلا إلى مزيد من القيود. اللحظة التي رأيت فيها الحقيقة لم تك...

الصبر والامتنان

صورة
 الصبر والامتنان: السرّ الهادئ الذي غيّر حياتي لو سألتني ما الذي غيّر حياتي أكثر من أي شيء، لما قلت لك إنه قرار كبير ولا حدث استثنائي. بل قلت إنه شيئان صغيران هادئان: الصبر والامتنان. لم أفهمهما في شبابي، ولم أكن أراهما شيئًا ذا قيمة، حتى دفعت ثمن جهلي بهما سنوات طويلة. أنا بلال، وفي مقالاتي السابقة حكيت لكم عن الضياع والتغيير والأسرة والمطبخ. واليوم أحكي لكم عن الخيطين اللذين ربطا كل هذه المراحل ببعضها، وكيف صنعا مني إنسانًا آخر. في شبابي كنت أريد كل شيء بسرعة. أريد الحرية الآن، والقبول الآن، والراحة الآن، ولم أكن أحتمل الانتظار. وكانت النتيجة أنني اخترت أسرع الطرق، وكان أسرعها هو الأخطأ. الكأس يعطيك راحة بعد دقائق، والرفاق يمنحونك الانتماء في ليلة واحدة، لكنهما يأخذان منك سنوات. وفهمت لاحقًا أن كل ما هو سريع الوصول سريع الزوال، وأن الأشياء الثمينة تحتاج وقتًا لتنضج. وبدأ الصبر يدخل حياتي مع أول يوم وقفت فيه عند مجلى الصحون. كنت أرى الطهاة يتحركون بمهارة وأنا أغسل الأطباق، وكنت أتمنى لو أصل إلى مكانهم في يوم واحد. لكنني تعلمت أن السلّم لا يُصعد قفزًا، وأن كل درجة لها وقتها. صبرت س...