الخمسون: حين صار الماضي يطرق بابي


في صباح عيد ميلادي الخمسين، لم أسمع احتفالًا ولا تهنئة، بل سمعت صوتًا هادئًا في داخلي يقول: وصلت. وقفت أمام المرآة، رأيت شعرًا بدأ الشيب يغزوه، وعينين أتعبهما السهر والأيام، ووجهًا يحمل حكاية لا يعرف أحد نصفها. وشعرت أن العمر الذي كنت أركض فيه فجأة توقف ليسألني: ماذا فعلت بي؟


أنا بلال، وفي مقالي السابق حكيت لكم عن الأربعين وكيف بدأت أرى الحياة بعين أخرى. واليوم أحكي لكم عن الخمسين، العقد الذي علّمني أن الجسد له كلمته، وأن الماضي مهما دفنته يعرف طريقه إليك.


حين دخلت الخمسين، بدأ جسدي يتكلم بلغة لم أكن أفهمها من قبل. سنوات الوقوف الطويلة في المطبخ، بين النار والبخار والحرارة، تركت أثرها على قدميّ وظهري وركبتيّ. صرت أستيقظ صباحًا وأحتاج دقائق حتى أقف على قدميّ. وأحيانًا أعود من العمل وأجلس على حافة السرير لا أقوى على خلع حذائي. كنت أقول لنفسي في شبابي: التعب ينتهي بالنوم. فاكتشفت أن بعض التعب يتراكم ولا ينتهي، بل يصير جزءًا منك.


وجاءت الفحوصات الطبية. تلك الزيارات التي كنت أؤجلها سنوات، صرت أذهب إليها وأنا أحمل في قلبي خوفًا لا أبوح به. جلست أمام الطبيب أول مرة أنتظر كلماته، وفي رأسي سؤال واحد: كم ترك الماضي في جسدي من أثر؟ فقد أدركت أن السنوات التي عشتها في الشوارع، وما شربته وما أهملته من صحتي، لا تُمحى بمجرد أن أتوب. التوبة تصلح القلب، لكن الجسد يحتاج إلى عناية وصبر ومتابعة. وكانت تلك أول مرة أفهم فيها معنى أن الإنسان يدفع ثمن أخطائه حتى بعد أن يتركها.


ومع الصحة جاءت الذكريات. صارت تزورني في الليل بلا استئذان. أتذكر الولد الخجول في الصف الذي كان يبتلع كلماته. أتذكر المراهق المتمرد الذي ظن أن العناد حرية. أتذكر الشاب الذي نام في الشوارع، وصوت الباب الحديدي وهو يُغلق خلفي في السجن، ووجه سامر وهو يبتعد عني. كنت أجلس في الشرفة أحيانًا والبيت نائم، وأراجع شريط حياتي كله. وكان الغريب أنني لم أعد أشعر بالغضب من تلك الصور، بل بشيء من الرحمة تجاه ذلك الفتى الضائع. قلت له في سرّي: كنت تائهًا، لكنك لم تكن شريرًا. وكنت تبحث عن مكان تنتمي إليه.


وفي المقابل كان البيت يعج بالحياة. فقد صار عندي أربعة أبناء: ثلاث بنات وولد. كل واحد منهم عالم قائم بذاته. ابنتي الكبرى، التي حملتها يومًا بين يديّ وهي لا تزن شيئًا، صارت تناقشني وتختلف معي وتنظر إلى الدنيا بعين أوسع من عيني. وصغاري يملؤون البيت ضجيجًا وضحكًا وفوضى جميلة. وولدي الوحيد يحمل اسمي ويحمل في عينيه شيئًا مني، وأحيانًا أخاف عليه من الأخطاء التي وقعت فيها، فأحرص أن أكون له صديقًا قبل أن أكون أبًا.


وصرت أرى معنى الأبوة بوضوح أكبر. لم أعد أراها مجرد رزق أجلبه إلى البيت، بل حضورًا ووقتًا وكلمة طيبة. كنت أجلس مع أبنائي على مائدة واحدة، وأنظر إلى وجوههم واحدًا واحدًا، وأقول في نفسي: هؤلاء هم تعويض الله لي عن كل ما ضاع. وكنت أحدثهم أحيانًا عن ماضيّ، لا لأتفاخر ولا لأتألم، بل لأضع بين أيديهم تجربة دفعت ثمنها غاليًا حتى لا يدفعوه هم. وكنت أقول لهم: الأخطاء مدرسة، لكن لا حاجة لأن تدخلوها كلكم.


وتغيّر حالي في أشياء كثيرة. لم أعد أركض كما كنت. صرت أحب الصباحات الهادئة، وفنجان القهوة في الشرفة، وجلسات العائلة، والمشي البطيء. وصارت أولوياتي أبسط وأصدق: صحتي، وأولادي، وزوجتي التي رافقتني كل هذه السنوات بصبر لا أعرف كيف أرد جميله. وصرت أشكر الله على أشياء كنت أراها عادية: أن أستيقظ، وأن أمشي، وأن أسمع أصوات أبنائي في البيت.


ولم تكن كل الأيام جميلة. فقد مررت بليالٍ ثقيلة، أفكر فيها في المستقبل وأخاف. ماذا لو أنهكني المرض؟ من يعيل البيت؟ وكيف يكمل أبنائي طريقهم؟ وكانت هذه الأسئلة تؤرقني، لكنني تعلمت أن أحوّل الخوف إلى عمل: أن أهتم بصحتي، وأن أستشير الأطباء، وأن أخطط لمستقبل أسرتي بحكمة، وأن أتوكل على الله بعد ذلك.


وفي هذا العمر أيضًا فهمت قيمة التسامح، مع الناس ومع نفسي. سامحت من أخطأ في حقي، وسامحت نفسي على ما فعلته بها. لم يكن ذلك سهلًا، لكنني اكتشفت أن حمل الأحقاد يتعب أكثر من حمل الأثقال، وأن القلب الذي يسامح يخفّ كأنه يطير.


أريد أن أقول لك، يا من تقرأ كلماتي: لا تهمل جسدك في شبابك، فهو يحفظ لك كل ما فعلته به. افحص صحتك، وخذ راحتك، ولا تؤجل الذهاب إلى الطبيب خوفًا من الحقيقة. وأعطِ أولادك وقتك قبل مالك، فهم لن يتذكروا الهدايا بقدر ما سيتذكرون جلوسك معهم. وإن كان في ماضيك ما يوجعك، فلا تهرب منه ولا تدفنه، بل تصالح معه وخذ منه الدرس، فالماضي الذي نفهمه يتحول من عبء إلى حكمة. والخمسون ليست نهاية الطريق، بل هي نقطة جميلة تقف فيها لترى المسافة التي قطعتها وتشكر الله عليها.


في المقال الأخير سأحدثكم عن الدروس التي تعلمتها من حياتي كلها، وعن رسالتي لكل من يقرأ مدونتي.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دعاء أمي وصبر أبي

نصيحتي

الصبر والامتنان