أربعيني اصبحت
الأربعون: حين بدأت أرى الحياة بعين أخرى
حين بلغت الأربعين، توقفت ذات صباح أمام المرآة ونظرت طويلًا. رأيت وجهًا حفر الزمن فيه خطوطه، وعينين رأتا من الحياة ما يكفي لكتاب كامل. لم أشعر بالخوف من العمر، بل بشيء يشبه الهدوء، كأنني وصلت أخيرًا إلى مكان أستطيع فيه أن ألتفت إلى الوراء دون أن أنكسر.
أنا بلال، وفي مقالي السابق حكيت لكم عن بيتي الصغير وفرحتي بأول طفلة. واليوم أحكي لكم عن عقدي الرابع، وعن الرجل الذي صرت عليه بعد كل ما مررت به.
في الأربعين اكتشفت أن العمر يغيّر نظرتك إلى الأشياء. الأمور التي كانت تشغلني في العشرينات، كالمظهر وكلام الناس والمنافسة، فقدت قيمتها. وصرت أهتم بما يبقى: صحتي، وبيتي، وسمعتي، وراحة قلبي. وفهمت أن الحكمة لا تأتي من الكتب وحدها، بل من الأخطاء التي دفعت ثمنها غاليًا.
وفي عملي، كنت قد صرت شيفًا له اسمه وخبرته. لكنني لم أعد أركض خلف المزيد، بل بدأت أستمتع بما أصنعه. وكنت أنقل ما تعلمته إلى الطهاة الصغار الذين يبدأون من أول السلّم، وكنت أنظر إلى أحدهم وهو يغسل الصحون بتعب فأرى نفسي فيه، فأقول له: لا تستهن بمكانك، فأنا بدأت من حيث تقف الآن. وتعلمت أن أجمل ما يفعله الإنسان بنجاحه أن يمدّ يده لمن يأتي بعده.
وفي البيت، كبرت ابنتي وكبرت معها مسؤولياتي. صرت أدرك أن الأبوة ليست فقط رزقًا نوفره، بل وقتًا نمنحه وقدوة نكونها. كنت أفكر في كل خطوة أخطوها: ماذا ستتعلم ابنتي من أبيها؟ وكنت أحرص أن تراني أبًا صادقًا مجتهدًا، لا أبًا يخفي ماضيه ولا يفخر به، بل يحكيه كدرس لا كحكاية بطولة.
ولم تخلُ هذه المرحلة من الحزن. ففي الأربعين بدأت أفقد بعض من أحببت، وأدركت أن الأيام تمضي أسرع مما نظن. وكنت أشعر أحيانًا بالألم على السنوات التي ضاعت مني، وعلى لحظات كان يمكن أن أكون فيها أقرب إلى أهلي. لكنني تعلمت ألا أعيش في الندم، بل أن أحوّله إلى امتنان لما بين يديّ الآن.
وتعلمت أن أعتني بنفسي. كنت قد أهملت جسدي طويلًا بين السهر والتعب والماضي، فبدأت أنتبه إلى صحتي، وأنام جيدًا، وأخصص وقتًا للراحة. فمن يريد أن يرى أبناءه يكبرون عليه أن يحافظ على جسده الذي يحمله.
أريد أن أقول لك، يا من تقرأ كلماتي: لا تخف من التقدم في العمر. كل عقد يمنحك ما لا يمنحه الذي قبله. لا تؤجل صحتك ولا أسرتك ولا مصالحتك مع نفسك. وإن كنت في الأربعين أو أكثر وتظن أن القطار فاتك، فاعلم أن الأيام الجيدة لا تُحسب بالسنين، بل بما تفعله بما بقي منها.
في المقال القادم سأحدثكم عن الدروس التي تعلمتها من حياتي، وعن رسالتي لكل من يقرأ مدونتي

تعليقات
إرسال تعليق