بداية متعبه
الثلاثين: من غسل الصحون إلى مطبخ الشيف
حين بلغت الثلاثين، كنت أقف كل يوم أمام مجلى الصحون، والبخار يلفح وجهي، والأطباق تتكدس أمامي بلا نهاية. لم يخطر ببالي حينها أن هذا المكان المتعب سيكون أول درج في سلّم لم أتخيل أنني سأصعده.
أنا بلال، وفي مقالي السابق حكيت لكم عن أواخر العشرينات، حين قررت أن أعمل وأتزوج وأبني حياة مختلفة. واليوم أحكي لكم عن عقدي الثالث، وعن التعب الذي صنع مني رجلًا آخر.
بدأت عملي في المطبخ عند المجلى، أغسل الصحون. كان عملًا شاقًا بكل معنى الكلمة: ساعات طويلة واقفًا على قدميّ، ويداي في الماء الساخن والصابون، وظهري يؤلمني من الانحناء. كنت أعود إلى البيت منهكًا، لا أقوى على الكلام. وكان بعض الناس ينظرون إلى هذا العمل نظرة صغيرة، لكنني كنت أعرف أنه عمل شريف، وأنه يطعم أسرتي من حلال.
وكنت أحمل مع التعب الجسدي تعبًا آخر في داخلي. كنت أغسل الصحون وأنا أفكر في السنوات التي ضاعت، وأقارن نفسي بمن سبقوني. وكان الحزن يرافقني حتى بين أكوام الأطباق. لكنني تعلمت أن أحوّل الألم إلى طاقة، فكل صحن أنظفه كان خطوة صغيرة بعيدًا عن الماضي.
ومن مكاني عند المجلى، كنت أرى المطبخ كله أمامي. أراقب الطهاة وهم يتحركون بسرعة ودقة، والنار تشتعل، والروائح تملأ المكان، وكل طبق يخرج كأنه لوحة. ومع الأيام بدأ الفضول يتحول إلى شغف. كنت أسأل، وأراقب، وأحفظ، وأحيانًا أطلب أن أساعد في تقطيع الخضار أو تحضير المكونات.
وفي يوم من الأيام أعطاني أحد الطهاة فرصة صغيرة. قال لي: جرّب. كانت كلمة بسيطة، لكنها كانت أول يد تمتد إليّ منذ سنوات. وبدأت أتعلم: كيف أمسك السكين، وكيف أتحكم بالنار، وكيف أوازن النكهات. أخطأت كثيرًا، وأحرقت أطباقًا، وسمعت توبيخًا قاسيًا، لكنني لم أتراجع. فمن عاش ما عشته لا يخيفه توبيخ في مطبخ.
وكنت أتعلم في ساعات تعبي. بعد انتهاء الدوام، كنت أبقى لأراجع ما تعلمته، وأجرّب الوصفات في البيت، وأقرأ وأسأل كل من يعرف أكثر مني. لم يكن عندي شهادة ولا خلفية، لكن كان عندي إصرار لا ينكسر.
ومرت السنوات، وترقيت من المجلى إلى التحضير، ومن التحضير إلى الطبخ، حتى صرت شيفًا محترفًا. وحين وقفت لأول مرة أمام طبق صنعته بيدي وأعجب الناس، شعرت بشيء لا يوصف. تذكرت الشاب الذي كان يغسل الصحون، ولم أشعر بالخجل منه، بل بالفخر. فهو الذي بدأ كل شيء.
وتعلمت أن الطريق إلى النجاح لا يبدأ من القمة، بل من أي مكان تقف فيه بصدق. وأن كل عمل شريف، مهما بدا صغيرًا، قد يكون أول درجة في حياة جديدة.
أريد أن أقول لك، يا من تقرأ كلماتي: لا تحتقر بدايتك مهما كانت متواضعة. ابدأ من حيث أنت، وتعلّم كل يوم شيئًا جديدًا، واعمل بإخلاص حتى حين لا يراك أحد. فالتعب الذي تتحمله اليوم هو البذرة التي ستأكل من ثمرها غدًا.
في المقال القادم سأحدثكم عن الدروس التي تعلمتها من حياتي، وعن رسالتي لكل من يقرأ مدونتي.

تعليقات
إرسال تعليق