تربية الابناء
تربية الأبناء: ما علّمني إياه الماضي قبل أن تعلّمني الكتب
حين أصبحت أبًا، أدركت أن أصعب امتحان في حياتي ليس غسل الصحون ولا الوقوف أمام النار، بل أن أربّي أربعة أبناء على طريق لم أمشِه أنا حين كنت في عمرهم. لم أقرأ عن التربية كثيرًا، لكنني تعلمتها من أخطائي أولًا، ومن عيون أبنائي ثانيًا.
أنا بلال، وفي مقالاتي السابقة حكيت لكم عن الضياع والتغيير والأسرة. واليوم أحكي لكم كيف أحاول أن أكون أبًا لثلاث بنات وولد، وما الذي علّمني إياه ماضيّ في هذا الدور.
أول ما تعلمته أن الطفل الذي لا يجد من يسمعه يبحث عن من يسمعه في الخارج. كنت طفلًا أبتلع كلماتي، ولم أجد من يسألني: ما بك؟ فذهبت أبحث عن الإصغاء عند من لا يستحقه. ولهذا قررت أن يكون بيتي المكان الأول الذي يحكي فيه أبنائي كل شيء دون خوف. أجلس معهم، أسألهم عن يومهم، وأصغي حتى لما يبدو صغيرًا، لأن الصغير اليوم قد يصير كبيرًا غدًا.
وتعلمت أن القدوة أبلغ من الكلام. الأبناء لا يسمعون ما نقوله بقدر ما يرون ما نفعله. فإن أردت أن يكونوا صادقين فكن صادقًا، وإن أردتهم مجتهدين فليروك تجتهد. كانوا يرونني أعود من المطبخ متعبًا وأنهض في الصباح للعمل من جديد، فتعلموا أن الرجولة والمسؤولية لا تحتاجان إلى شرح.
وتعلمت أن الصراحة مع الأبناء عن الماضي، بقدر ما يناسب أعمارهم، تحميهم أكثر من التخويف. لم أخفِ عنهم أنني أخطأت وأنني دفعت ثمنًا. لكنني حكيته كدرس لا كبطولة، وقلت لهم: الأخطاء مدرسة، لكن لا حاجة لأن تدخلوها جميعًا. والطفل الذي يعرف أن أباه إنسان يخطئ وينهض، يتجرأ أن يعترف بأخطائه أمامه ولا يخبئها.
وتعلمت أن الحزم لا يعني القسوة. القسوة تصنع طفلًا خائفًا أو متمردًا، والحزم الهادئ يصنع طفلًا يفهم الحدود. وضعت قواعد واضحة في البيت، وشرحت لهم أسبابها، وحاولت ألا أرفع صوتي إلا نادرًا. وحين أخطئ أنا في حقهم، لا أتردد أن أعتذر، فالأب الذي يعتذر يعلّم ابنه أعظم درس في التواضع.
وتعلمت أن لكل ابن شخصيته. ما ينفع مع الكبرى قد لا ينفع مع الصغيرة، وما يلين له قلب الولد قد لا يلين له قلب البنات. وكنت أخطئ حين أعاملهم كأنهم نسخة واحدة. فصرت أراقب كل واحد منهم، وأعرف ما يخيفه وما يفرحه وما يحتاجه، وأخصص لكل واحد وقتًا خاصًا معي.
وتعلمت أن أنتبه لأصدقائهم. لا أمنعهم من اختيار أصحابهم، لكنني أتعرف إليهم، وأفتح بيتي لهم، وأسأل أبنائي بلطف: كيف تشعر حين تكون مع فلان؟ وأعرف جيدًا ثمن الرفقة السيئة، فلا أستخف بها أبدًا. والأهم أن يعرف أبنائي أن بابي مفتوح لهم مهما أخطأوا، فمن يخاف من أبيه يخبئ عنه، ومن يثق به يعود إليه.
وتعلمت أن أقول لهم كلمات الحب. كنت أظن أن الأب يكفي أن يعمل ويوفر، حتى اكتشفت أن الطفل يحتاج أن يسمع: أنا فخور بك، وأحبك. هذه الكلمات لم أسمعها كثيرًا في طفولتي، فقررت أن تكون جزءًا من لغة بيتي.
أريد أن أقول لك، يا من تقرأ كلماتي وأنت أب أو أم: أعطِ أبناءك وقتك قبل مالك، واسمع منهم قبل أن تحكم عليهم، وكن القدوة التي تتمنى أن يصيروا مثلها. ولا تظن أن أخطاءك في الماضي تحرمك من أن تكون أبًا عظيمًا، فالأب الذي تعلّم من سقوطه قد يكون أقدر على حماية أبنائه ممن لم يسقط قط.
في المقال القادم سأحدثكم عن نصائح لمن خرج من السجن وأراد أن يبدأ من جديد.

تعليقات
إرسال تعليق