تجربتي أنا بلال


 كيف تركت الكحول: تجربة بلال بين الألم والإرادة


لن أدّعي أنني وجدت طريقة سحرية. تركت الكحول بعد سنوات من المحاولات الفاشلة، وكل سقطة علّمتني شيئًا لم تعلّمه لي أي نصيحة. أكتب لك اليوم ما نفعني أنا، علّه يختصر عليك بعض الطريق.


أنا بلال، وفي مقالاتي السابقة حكيت لكم عن سنوات الضياع، وكيف شربت الكحول هربًا من وجعي. واليوم أحكي لكم كيف خرجت من هذا الطريق، وما الذي ساعدني فعلًا.


بدأت الحكاية بسؤال لم أجرؤ على طرحه سنوات: لماذا أشرب؟ لم أكن أحب طعمه أصلًا، فقد كان مرًّا يحرق حلقي. كنت أشرب لأسكت صوتًا في داخلي، صوت الخجل والخذلان والأيام الضائعة. وحين فهمت أنني لا أشرب لأستمتع بل لأهرب، تغيّر كل شيء. فمن لا يعرف ممّ يهرب، يعود إلى الكأس مهما حلف وأقسم.


ثم جاء الاعتراف، وكان أثقل من أي جملة نطقتها في حياتي. جلست وحدي ذات ليلة وقلت بصوت مسموع: أنا لا أتحكم في هذا الأمر. شعرت بكبريائي ينكسر، لكنني شعرت أيضًا بشيء يخفّ عن صدري. فلا شفاء مع الإنكار، ومن يقنع نفسه أنه يستطيع التوقف متى شاء، يبقى في القيد وهو يظن نفسه حرًّا.


وبعد الاعتراف جاء الأصعب: الابتعاد. غيّرت طريقي إلى البيت حتى لا أمرّ بالأماكن التي كنت أشرب فيها، وتجنبت الوجوه التي ترتبط عندي بالكأس. ولاحظت أن الرغبة لا تهجم عشوائيًا، بل تأتي في أوقات وأماكن معينة، كالمساء المتعب أو الزاوية المعتادة. وحين غيّرت الأوقات والأماكن، ضعفت الرغبة تدريجيًا. وكنت أدفع ثمن ذلك وحدة ثقيلة، لكنني فضّلتها على صحبة تعيدني إلى الحفرة.


وتعلمت أن الفراغ أخطر أعدائي. كنت أنهك جسدي في العمل حتى أعود وأنام دون تفكير، ثم حين بدأت أتعلم الطبخ، وجدت ما يشغل يديّ وعقلي معًا. ومن يملأ وقته بشيء نافع، لا يبقى للكأس مكان فيه. وكان للرياضة والمشي أثر لم أتوقعه، فقد كنت أخرج حين يشتد الوجع وأمشي حتى يهدأ الصوت في رأسي.


وتعلمت ألا أحمل الدهر كله فوق رأسي. لم أقل لنفسي: لن أشرب أبدًا، فهذه جملة أكبر من طاقتي. كنت أقول: لن أشرب اليوم. وحين ينتهي اليوم أحمد الله وأبدأ يومًا جديدًا. والأيام الصغيرة تتراكم بصمت حتى تصير أسابيع وشهورًا وسنوات، وفجأة تلتفت فتجد أنك قطعت مسافة لم تكن تصدق أنك تقدر عليها.


وسقطت. لن أكذب عليك وأقول إن الطريق كان مستقيمًا. سقطت أكثر من مرة، وكنت أستيقظ بعدها مثقلًا بالخجل أكثر من الصداع. وكان صوت داخلي يقول: انتهى الأمر، أنت لا تصلح. لكنني تعلمت أن أجيبه: السقطة ليست النهاية، النهاية هي أن أبقى حيث وقعت. فكنت أنهض وأبدأ العدّ من جديد، دون جلد لنفسي، لأن من يجلد نفسه يعود إلى الكأس ليهرب من الجلد.


وكان أثمن ما ساعدني وجود من يقف بجانبي. وجود شخص تصارحه بضعفك وتحاسب نفسك أمامه يغيّر المعادلة، لأن السرّ الذي نخفيه يكبر، والذي نقوله يصغر. ثم صارت زوجتي وأبنائي أقوى سبب أستيقظ من أجله كل صباح. لم أعد أريد أن يروا أباهم كما كنت، وأريدهم أن يكبروا وفي ذاكرتهم أب حاضر صاحٍ، لا أب غائب في كأس.


وهنا أريد أن أقول لك شيئًا مهمًا جدًا: إذا كنت شربت بكثرة ولمدة طويلة، فلا تتوقف فجأة دون إشراف طبي. التوقف المفاجئ عن الكحول قد يسبب أعراضًا خطيرة كالرجفة الشديدة والهلوسة والتشنجات، وقد يهدد الحياة أحيانًا. اذهب إلى طبيب أو مركز علاج، فهذا ليس ضعفًا بل حكمة. وفي كثير من الدول خطوط مساعدة ومراكز علاج ومجموعات دعم مثل "مدمنون مجهولون"، فابحث عما هو متاح في بلدك.


أريد أن أقول لك، يا من تقرأ كلماتي: لا تحتقر نفسك لأنك وقعت في هذا الطريق، فكثيرون وقعوا ثم نهضوا. لكن لا تؤجّل اليوم الأول، فكل يوم تؤجله يزيد الطريق صعوبة. وإن كنت لا تعرف من أين تبدأ، فابدأ بجملة واحدة تقولها لشخص تثق به: أحتاج مساعدة. هذه الجملة وحدها قد تكون أول درجة في سلّم نجاتك.


في المقال القادم سأحدثكم عن كيف تختار أصدقاءك من تجربتي.


تعليقات

  1. الصعود من الهاوية اصعب صعود وبما انك استطعت بارادتك القوية الخروج من حياة إلى حياة سيكون كل شيء بعدها سهلا التحلي بالصبر والايمان بان الله قادر على كل شئ سيمنحك الامل والتوفيق. وحياة مليئة بالسعادة إن شاء الله

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دعاء أمي وصبر أبي

نصيحتي

الصبر والامتنان