دروس الحياه
الدروس التي تعلمتها: رسالة بلال إلى كل من يقرأ
أربعة وخمسون عامًا مضت، ولو جلست أمامك اليوم وسألتني: ما الذي تعلمته؟ لقلت لك إنني تعلمت أكثر من كل كتاب قرأته، لكن بثمن لم أكن أتمنى أن أدفعه. وهذه الدروس لا أكتبها لأعظك، بل لأضعها بين يديك كما يضع الأب خبرته أمام أبنائه.
أنا بلال، وفي مقالاتي السابقة حكيت لكم عن الطفولة الخجولة، والتمرد، والضياع، والسجن، ثم التغيير والعمل والزواج والأبناء، وصولًا إلى الخمسين. واليوم أجمع لكم خلاصة هذه الرحلة كلها.
الدرس الأول: الصمت ليس حماية. كنت طفلًا أبتلع كلماتي خوفًا من السخرية، وظننت أن الصمت يحميني. فاكتشفت أن ما لا نقوله يتراكم في داخلنا حتى ينفجر في صورة تمرد أو هروب. تكلّم مع من تثق به، واطلب المساعدة مبكرًا، فالكلمة التي تقولها اليوم قد توفر عليك سنوات من الألم.
الدرس الثاني: الحرية الحقيقية مسؤولية. ظننت في شبابي أن الحرية أن أفعل ما أشاء، فانتهيت إلى سجن وشارع وكأس. أما الحرية الحقيقية فهي أن تملك قرارك، وأن تقول لا لما يؤذيك، وأن تعيش بما يرضي ضميرك.
الدرس الثالث: الصديق يُعرف في الشدة. تعلمت من سامر أن الصداقة لا تُقاس بعدد السنين، بل بالموقف. اختر رفاقك بعناية، فإنهم يشكلونك أكثر مما تظن، ولا تخف من الابتعاد عمن يجرّك إلى الأسفل.
الدرس الرابع: الهروب لا يداوي الألم. حاولت أن أسكّن وجعي بالكحول، فازداد وجعي. الألم يُواجَه ويُفهم ويُعالَج، ولا يُدفن. وإن كنت تصارع إدمانًا، فاعلم أن طلب المساعدة من أهلك أو من مختص ليس ضعفًا، بل أشجع قرار تتخذه.
الدرس الخامس: التغيير يبدأ بقرار صغير. لم أتغير في ليلة واحدة. بدأت بيوم صحيح واحد، ثم يوم آخر. لا تنتظر اللحظة المثالية، ولا تنتظر أن يصدقك الناس. ابدأ، وسمعتك ستُبنى بالأفعال المتكررة لا بالوعود.
الدرس السادس: لا عمل صغير في الحياة. بدأت عند مجلى الصحون وانتهيت شيفًا محترفًا. كل عمل شريف هو درجة في سلّم، فلا تحتقر بدايتك، وتعلّم كل يوم شيئًا جديدًا، واعمل بإخلاص حتى حين لا يراك أحد.
الدرس السابع: الأسرة هي الغنى الحقيقي. زوجتي وأبنائي الأربعة هم التعويض الذي منحني الله إياه عن سنوات ضاعت. أعطِ أسرتك وقتك قبل مالك، فالأبناء لا يتذكرون الهدايا بقدر ما يتذكرون الجلوس معهم.
الدرس الثامن: الجسد يحفظ ما نفعله به. أهملت صحتي في شبابي، ودفعت الثمن في الخمسين. اعتنِ بجسدك مبكرًا، وافحص صحتك، ولا تؤجل زيارة الطبيب خوفًا من الحقيقة.
الدرس التاسع: التسامح يخفف القلب. سامحت من أخطأ في حقي، وسامحت نفسي. حمل الأحقاد أثقل من حمل الجبال، والقلب الذي يسامح يخفّ كأنه يطير.
الدرس العاشر: لا أحد تأخر على الطريق الصحيح. بدأت رحلتي الحقيقية بعد سنوات من الضياع، ومع ذلك وصلت إلى بيت ومهنة وأسرة. فمهما كان ماضيك، ومهما كان عمرك، فالباب لا يُغلق ما دمت حيًا.
وفي النهاية، أقول لك يا من تقرأ كلماتي: أنا لست قدوة كاملة، ولا أدّعي ذلك. أنا إنسان أخطأ كثيرًا ونهض كثيرًا، وأكتب لك لأنني أؤمن أن الحكاية الصادقة قد تنقذ إنسانًا واحدًا. فإن كنت أنت هذا الإنسان، فابدأ اليوم بخطوة صغيرة، وتذكر أن في آخر الطريق بيتًا يستحق أن تصل إليه.
شكرًا لأنك قرأت حكايتي، وأهلًا بك دائمًا في مدونة "دليلك لحياة أفضل".

تعليقات
إرسال تعليق