حياة الماضي


 اخر العشرين: حين قررت أن أبني ما هدمته


حين بلغت أواخر العشرين، لم أعد ذلك الشاب الذي يركض بلا وجهة. كنت أحمل على كتفيّ سنوات ثقيلة، وفي قلبي حزن لا يُرى، لكنني كنت قد بدأت أفهم أن الحياة لا تنتظر من يتأخر عنها.


أنا بلال، وفي مقالي السابق حكيت لكم كيف انتبهت إلى رفاق السوء وقررت أن أتغيّر. واليوم أحكي لكم عن سنواتي الأخيرة في العشرينات، حين انتقلت من قرار التغيير إلى بناء حياة حقيقية.


كان أول ما واجهته أن الماضي لا يرحل بسهولة. كنت أمشي في الشوارع وأشعر أن الناس يعرفون قصتي، وأن عيونهم تحمل سؤالًا لا يُقال. وفي الليل كانت الذكريات تعود: السجن، والكأس، والأيام الضائعة. كان الحزن يجلس بجانبي كل مساء كضيف ثقيل لا يستأذن، وكنت أتعلم أن أتعايش معه بدل أن أهرب منه.


ثم قررت أن أعمل. لم يكن العمل سهلًا لمن كان تاريخه مثل تاريخي. طرقت أبوابًا كثيرة وأُغلقت في وجهي، وسمعت كلمات جارحة. لكنني قبلت أي عمل شريف، مهما كان متعبًا وأجره قليلًا. كنت أعود في المساء بيدين متعبتين وقلب مرتاح، لأن التعب الشريف أخف بكثير من الراحة المشبوهة. ومع الأيام بدأت الثقة تعود شيئًا فشيئًا، ليس بسبب كلامي، بل بسبب التزامي.


ومع استقرار العمل، بدأت أفكر في الزواج. كنت خائفًا، فقد سألت نفسي: من ترضى برجل مثلي؟ وكيف أبني بيتًا وأنا لا أزال أرمّم نفسي؟ لكنني فهمت أن الإنسان لا ينتظر أن يصير كاملًا ليبدأ، وأن الصدق في الماضي والعزم في الحاضر أهم من صفحة بيضاء لا وجود لها. وتزوجت، وكانت تلك بداية فصل جديد، فيه مسؤولية وأمان ودفء لم أعرفه من قبل.


ومع ذلك، لم يختفِ الألم. كنت أنظر أحيانًا إلى وجوه من أحبهم وأفكر في السنوات التي أضعتها وفي أمي وأهلي الذين أتعبتهم. وكان يعتصرني ندم على أيام كان يمكن أن أكون فيها بجانبهم. وتعلمت أن بعض الأوجاع لا تزول، لكنها تتحول من جرح ينزف إلى ندبة تذكّرك بما مررت به، فتمنحك حكمة ولا تمنعك من المشي.


أدركت في تلك السنوات أن الحياة المختلفة لا تُبنى بقرار واحد، بل بآلاف الأيام الصغيرة: عمل يوميّ، وكلمة صادقة، ووفاء لمن وثق بي. وأدركت أن الحزن لا يتعارض مع السعادة، فقد يجتمعان في قلب واحد، وأن من ذاق الألم صار أقدر على تقدير النعمة.


أريد أن أقول لك، يا من تقرأ كلماتي: إن كنت تظن أنك تأخرت، فاعلم أن الطريق الصحيح لا يُغلق بالتأخر. ابدأ من حيث أنت، واعمل بيدك، وابنِ علاقاتك على الصدق، ولا تخجل من ماضيك ما دمت تعمل على أن يكون حاضرك أفضل. والحزن الذي تحمله اليوم قد يصير غدًا هو الحكمة التي تنفع بها غيرك.


في المقال القادم سأحدثكم عن الدروس التي تعلمتها من حياتي، وعن رسالتي لكل من يقرأ مدونتي

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دعاء أمي وصبر أبي

نصيحتي

الصبر والامتنان