نجوة بأعجوبة نحو التغيير


 بلال: الرجل الذي وجد نفسه بعد أن ضاع


لو طلبت مني أن أصف نفسي في كلمة واحدة، لقلت: ناجٍ. لا أقصد أنني نجوت من حادث أو كارثة، بل نجوت من نفسي، من الشاب الذي كان يظن أن الضياع حرية وأن الهروب شجاعة.


أنا بلال، وبعد أن حكيت لكم قصتي من الطفولة إلى الخمسين، أريد اليوم أن أقف قليلًا وأنظر إلى الرجل الذي صرته، وإلى ما وجدته في آخر الطريق.


كنت في طفولتي ولدًا خجولًا يبتلع كلماته قبل أن تخرج. وفي مراهقتي صرت متمردًا، لا لأنني قوي، بل لأنني كنت أريد أن يسمعني أحد. ثم جاءت سنوات الشارع والسجن والكأس، وفيها ظننت أنني أبحث عن الحرية، وكنت في الحقيقة أبحث عن مكان أنتمي إليه. هذه هي حقيقتي التي فهمتها متأخرًا: كل ما فعلته في شبابي كان صرخة حاجة إلى القبول، لا حبًا في الخطأ.


وإذا سألتني عن صفاتي، فأنا رجل عنيد. العناد الذي أوصلني إلى السجن هو نفسه الذي جعلني أقف على قدميّ بعد كل سقطة، وأستيقظ كل صباح عند المجلى ثم عند الموقد. تعلمت أن الصفة الواحدة قد تهدمك أو تبنيك، والفرق في الاتجاه الذي توجهها إليه.


وأنا رجل يحمل الألم ولا يتباهى به. لم أنسَ سنواتي الضائعة ولا وجه أمي ولا نظرة سامر وهو يبتعد، لكنني حوّلت هذا الألم إلى حكمة. وصرت أرى في وجوه الشباب التائهين وجهي القديم، فأمدّ يدي إليهم كما مُدّت إليّ يد ذات يوم.


وأنا رجل يعرف قيمة التعب. من غسل الصحون إلى الشيف، تعلمت أن لا شيء يأتي هدية، وأن الاحترام الحقيقي يُبنى بالعرق والصبر والإخلاص حين لا يراك أحد. ولهذا لا أخجل من بدايتي، بل أفخر بها.


وماذا وجدت في آخر هذا الطريق؟


وجدت بيتًا. زوجة صبرت عليّ ولم تحاسبني على ماضٍ طويته، وأربعة أبناء يجعلون كل تعب يستحق. وجدت أن الغنى ليس في المال، بل في باب تفتحه فتجد خلفه من ينتظرك.


ووجدت سلامًا مع نفسي. سامحت الفتى الضائع الذي كنته، وفهمت أنه لم يكن شريرًا بل كان تائهًا. ومن يتصالح مع ماضيه يتحرر من أثقل قيد يحمله.


ووجدت رسالة. اكتشفت أن ألمي لم يذهب هباءً، فقد صار حكاية قد تنقذ إنسانًا واحدًا. وهذا ما دفعني أن أفتح هذه المدونة وأكتب لكم بصدق.


وأهم ما وجدته أنني لم أكن أبحث عن شيء بعيد، بل كنت أبحث عن نفسي. ضعت حين هربت منها، ووجدتها حين واجهتها.


أريد أن أقول لك، يا من تقرأ كلماتي: لا تحكم على نفسك بأسوأ لحظاتك. أنت لست أخطاءك، ولست نظرة الناس إليك، ولا ما قيل عنك. أنت ما تقرر أن تصير عليه من اليوم. وإن كنت تشعر أنك ضائع، فاعلم أن الضياع قد يكون بداية الطريق إلى نفسك، كما كان لي.


شكرًا لأنك رافقتني في هذه الرحلة، وأهلًا بك دائمًا في "دليلك لحياة أفضل".


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

دعاء أمي وصبر أبي

نصيحتي

الصبر والامتنان