صديقي الوفي
كيف تختار أصدقاءك: ما علّمني إياه ثمن غالٍ
لو سألتني اليوم ما أهم قرار اتخذته في حياتي، لقلت لك إنه اختيار من أمشي معه. فقد دفعت سنوات من عمري ثمنًا لأصدقاء اخترتهم بقلبي ولم أختبرهم بعقلي، وأكتب لك اليوم ما تمنيت لو عرفته وأنا في سنك.
أنا بلال، وفي مقالاتي السابقة حكيت لكم عن رفاق السوء وعن سامر الذي خذلني في أصعب ليلة. واليوم أحكي لكم كيف أختار أصدقائي بعد كل ما مررت به، وعن صديقي إبراهيم الذي أعاد لي إيماني بالصداقة.
أول ما تعلمته أن الصديق مرآة تُريك الشخص الذي ستصير عليه. فمن يجلس بين المنشغلين بالضياع يصير ضائعًا مهما كانت نيته طيبة، ومن يجلس بين من يسعون إلى الأفضل يرتفع معهم دون أن يشعر. ولهذا أسأل نفسي دائمًا قبل أن أقترب من أحد: ماذا أصير إذا بقيت معه عشر سنوات؟
وتعلمت أن الصديق الحقيقي يُعرف في الشدة لا في الفرح. الجميع يحضر الاحتفال، لكن قلّة من تبقى حين تنطفئ الأضواء. حين دخلت السجن، رأيت من زارني ومن اختفى، وكانت تلك أقسى وأصدق شهادة سمعتها عن الناس. ومنذ ذلك اليوم لم أعد أقيس الصداقة بكثرة الضحك، بل بالموقف حين تضيق الدنيا.
ثم جاء إبراهيم. لم يكن في حياتي سنوات طويلة، ولم نتقاسم الجوع والشوارع كما فعلت مع سامر. تعرفت عليه بعد أن بدأت أبني حياتي من جديد، وكنت حذرًا، لا أصدق أحدًا بسهولة. لكنه كان مختلفًا. لم يسألني عن ماضيّ ليحكم عليّ، ولم يعاملني كرجل له سجل، بل كإنسان يحاول. وحين أخبرته بقصتي كاملة، توقعت أن يبتعد، لكنه ربّت على كتفي وقال: المهم من أنت اليوم. تلك الجملة البسيطة بقيت معي سنوات.
وفي أيام صعبة مرّت بي بعد ذلك، كان إبراهيم أول من اتصل بي دون أن أطلب. لم يعظني، ولم يقدّم نصائح كثيرة، بل جلس بجانبي وسمع. وفهمت حينها أن الصديق الحقيقي لا يحتاج إلى سنوات ليثبت نفسه، بل يكفيه موقف صادق واحد. وهكذا تأكد لي الدرس الذي بدأ مع سامر: الصداقة لا تُقاس بعدد السنين، بل بما يُقال ويُفعل حين نحتاج.
وصرت أنتبه إلى علامات الصديق الصالح. هو الذي يفرح لنجاحك دون حسد، ويصارحك بخطئك دون أن يجرحك، ويحفظ سرّك حين تغيب. وهو الذي تخرج من عنده أخفّ مما دخلت، لا أثقل. أما من يشعرك دائمًا بالذنب أو القلق أو النقص بعد كل لقاء، فاعلم أن في العلاقة خللًا مهما طالت.
وفي المقابل، هناك علامات تنذر بالخطر. من لا يتصل بك إلا حين يحتاج إليك، ومن يسخر من أحلامك، ومن يقنعك بأن الخطأ طبيعي لأن الجميع يفعله، ومن يتحدث عن الناس بالسوء في غيابهم، فلا بد أنه يتحدث عنك كذلك. وتعلمت ألا أتجاهل هذه الإشارات، فقد تجاهلتها زمنًا طويلًا ودفعت الثمن.
وتعلمت أن الصداقة لا تعني الكثرة. كنت في شبابي أحيط نفسي بعشرات الوجوه خوفًا من الوحدة، فاكتشفت أنني كنت أكثر الناس وحدة. واليوم يكفيني إبراهيم واثنان أو ثلاثة من الصادقين، أطمئن إليهم وأعود إليهم. فصديق واحد وفيّ خير من مئة رفيق عابر.
وتعلمت أيضًا أن الصداقة تحتاج إلى أن تكون أنت صديقًا جيدًا. فلا تنتظر من الناس ما لا تعطيه. كن صادقًا، واحفظ الأسرار، وقف مع من تحب في ضيقه قبل فرحه، وسامح الزلات الصغيرة. فالصداقة حديقة تحتاج إلى سقاية، ومن لا يسقيها لا يلوم الذبول.
وأقول لمن يعيش بين رفاق يضيّعونه: لا تخف من الابتعاد. سيقولون إنك تغيّرت وتكبّرت، وقد تبقى وحدك مدة. لكن الوحدة المؤقتة أهون بكثير من صحبة تأخذ منك سنواتك، وفي الفراغ الذي تتركه يدخل أناس أفضل، وهذا ما حدث معي بالضبط.
أريد أن أقول لك، يا من تقرأ كلماتي: اختر أصدقاءك كما تختار طريقك، فهم الذين سيمشون معك فيه. اختبرهم بالمواقف لا بالكلام، وزِن العلاقة بما تتركه فيك، وكن أنت الصديق الذي كنت تتمنى أن تجده. وإن كنت لا تملك صديقًا صالحًا اليوم، فلا تيأس، فالصادقون موجودون، وغالبًا يظهرون حين تبدأ أنت بأن تكون صادقًا.
في المقال القادم سأحدثكم عن تربية الأبناء من تجربة أب.

تعليقات
إرسال تعليق