المشاركات

نجوة بأعجوبة نحو التغيير

صورة
 بلال: الرجل الذي وجد نفسه بعد أن ضاع لو طلبت مني أن أصف نفسي في كلمة واحدة، لقلت: ناجٍ. لا أقصد أنني نجوت من حادث أو كارثة، بل نجوت من نفسي، من الشاب الذي كان يظن أن الضياع حرية وأن الهروب شجاعة. أنا بلال، وبعد أن حكيت لكم قصتي من الطفولة إلى الخمسين، أريد اليوم أن أقف قليلًا وأنظر إلى الرجل الذي صرته، وإلى ما وجدته في آخر الطريق. كنت في طفولتي ولدًا خجولًا يبتلع كلماته قبل أن تخرج. وفي مراهقتي صرت متمردًا، لا لأنني قوي، بل لأنني كنت أريد أن يسمعني أحد. ثم جاءت سنوات الشارع والسجن والكأس، وفيها ظننت أنني أبحث عن الحرية، وكنت في الحقيقة أبحث عن مكان أنتمي إليه. هذه هي حقيقتي التي فهمتها متأخرًا: كل ما فعلته في شبابي كان صرخة حاجة إلى القبول، لا حبًا في الخطأ. وإذا سألتني عن صفاتي، فأنا رجل عنيد. العناد الذي أوصلني إلى السجن هو نفسه الذي جعلني أقف على قدميّ بعد كل سقطة، وأستيقظ كل صباح عند المجلى ثم عند الموقد. تعلمت أن الصفة الواحدة قد تهدمك أو تبنيك، والفرق في الاتجاه الذي توجهها إليه. وأنا رجل يحمل الألم ولا يتباهى به. لم أنسَ سنواتي الضائعة ولا وجه أمي ولا نظرة سامر وهو يبتعد، ل...

نصيحتي

صورة
 نصائح لمن خرج من السجن: كيف تبدأ من جديد حين يظن الجميع أنك انتهيت حين فُتح الباب وخرجت، ظننت أن أصعب ما في الأمر قد انتهى. لكنني اكتشفت أن الخروج من السجن ليس نهاية الحكاية، بل بدايتها الحقيقية. فالجدران التي تركتها خلفي كانت أسهل من الجدران التي وجدتها أمامي: نظرات الناس، وأبواب العمل المغلقة، وصوت داخلي يقول لي إنني لن أُقبل في أي مكان. أنا بلال، وفي مقالاتي السابقة حكيت لكم عن سنة ونصف قضيتها في السجن، وكيف تغيّرت بعدها. واليوم أكتب لك أنت يا من خرجت للتو أو تستعد للخروج، وأقول لك ما تمنيت لو سمعته يوم خرجت. أول نصيحة: لا تتوقع أن يستقبلك العالم بالترحاب. بعض الناس سيحكمون عليك بماضيك قبل أن يعرفوا من أنت اليوم. هذا مؤلم، لكن الأفضل أن تتهيأ له من أن تُفاجأ به. لا تجعل حكم الناس يحدد قيمتك، ولا تدخل في جدال لتثبت براءتك. أثبت نفسك بالأفعال، فهي أبلغ من أي دفاع. ثانيًا: ابتعد عن الأماكن والوجوه التي قادتك إلى هناك. هذه أخطر نقطة. كثيرون يعودون إلى السجن لأنهم عادوا إلى الرفاق أنفسهم والأحياء نفسها في أول أسبوع. الحنين إلى الألفة قد يكون فخًا. غيّر دائرتك بقدر ما تستطيع، حتى لو ...

تربية الابناء

صورة
 تربية الأبناء: ما علّمني إياه الماضي قبل أن تعلّمني الكتب حين أصبحت أبًا، أدركت أن أصعب امتحان في حياتي ليس غسل الصحون ولا الوقوف أمام النار، بل أن أربّي أربعة أبناء على طريق لم أمشِه أنا حين كنت في عمرهم. لم أقرأ عن التربية كثيرًا، لكنني تعلمتها من أخطائي أولًا، ومن عيون أبنائي ثانيًا. أنا بلال، وفي مقالاتي السابقة حكيت لكم عن الضياع والتغيير والأسرة. واليوم أحكي لكم كيف أحاول أن أكون أبًا لثلاث بنات وولد، وما الذي علّمني إياه ماضيّ في هذا الدور. أول ما تعلمته أن الطفل الذي لا يجد من يسمعه يبحث عن من يسمعه في الخارج. كنت طفلًا أبتلع كلماتي، ولم أجد من يسألني: ما بك؟ فذهبت أبحث عن الإصغاء عند من لا يستحقه. ولهذا قررت أن يكون بيتي المكان الأول الذي يحكي فيه أبنائي كل شيء دون خوف. أجلس معهم، أسألهم عن يومهم، وأصغي حتى لما يبدو صغيرًا، لأن الصغير اليوم قد يصير كبيرًا غدًا. وتعلمت أن القدوة أبلغ من الكلام. الأبناء لا يسمعون ما نقوله بقدر ما يرون ما نفعله. فإن أردت أن يكونوا صادقين فكن صادقًا، وإن أردتهم مجتهدين فليروك تجتهد. كانوا يرونني أعود من المطبخ متعبًا وأنهض في الصباح للعمل من ...

صديقي الوفي

صورة
 كيف تختار أصدقاءك: ما علّمني إياه ثمن غالٍ لو سألتني اليوم ما أهم قرار اتخذته في حياتي، لقلت لك إنه اختيار من أمشي معه. فقد دفعت سنوات من عمري ثمنًا لأصدقاء اخترتهم بقلبي ولم أختبرهم بعقلي، وأكتب لك اليوم ما تمنيت لو عرفته وأنا في سنك. أنا بلال، وفي مقالاتي السابقة حكيت لكم عن رفاق السوء وعن سامر الذي خذلني في أصعب ليلة. واليوم أحكي لكم كيف أختار أصدقائي بعد كل ما مررت به، وعن صديقي إبراهيم الذي أعاد لي إيماني بالصداقة. أول ما تعلمته أن الصديق مرآة تُريك الشخص الذي ستصير عليه. فمن يجلس بين المنشغلين بالضياع يصير ضائعًا مهما كانت نيته طيبة، ومن يجلس بين من يسعون إلى الأفضل يرتفع معهم دون أن يشعر. ولهذا أسأل نفسي دائمًا قبل أن أقترب من أحد: ماذا أصير إذا بقيت معه عشر سنوات؟ وتعلمت أن الصديق الحقيقي يُعرف في الشدة لا في الفرح. الجميع يحضر الاحتفال، لكن قلّة من تبقى حين تنطفئ الأضواء. حين دخلت السجن، رأيت من زارني ومن اختفى، وكانت تلك أقسى وأصدق شهادة سمعتها عن الناس. ومنذ ذلك اليوم لم أعد أقيس الصداقة بكثرة الضحك، بل بالموقف حين تضيق الدنيا. ثم جاء إبراهيم. لم يكن في حياتي سنوات طويل...

تجربتي أنا بلال

صورة
 كيف تركت الكحول: تجربة بلال بين الألم والإرادة لن أدّعي أنني وجدت طريقة سحرية. تركت الكحول بعد سنوات من المحاولات الفاشلة، وكل سقطة علّمتني شيئًا لم تعلّمه لي أي نصيحة. أكتب لك اليوم ما نفعني أنا، علّه يختصر عليك بعض الطريق. أنا بلال، وفي مقالاتي السابقة حكيت لكم عن سنوات الضياع، وكيف شربت الكحول هربًا من وجعي. واليوم أحكي لكم كيف خرجت من هذا الطريق، وما الذي ساعدني فعلًا. بدأت الحكاية بسؤال لم أجرؤ على طرحه سنوات: لماذا أشرب؟ لم أكن أحب طعمه أصلًا، فقد كان مرًّا يحرق حلقي. كنت أشرب لأسكت صوتًا في داخلي، صوت الخجل والخذلان والأيام الضائعة. وحين فهمت أنني لا أشرب لأستمتع بل لأهرب، تغيّر كل شيء. فمن لا يعرف ممّ يهرب، يعود إلى الكأس مهما حلف وأقسم. ثم جاء الاعتراف، وكان أثقل من أي جملة نطقتها في حياتي. جلست وحدي ذات ليلة وقلت بصوت مسموع: أنا لا أتحكم في هذا الأمر. شعرت بكبريائي ينكسر، لكنني شعرت أيضًا بشيء يخفّ عن صدري. فلا شفاء مع الإنكار، ومن يقنع نفسه أنه يستطيع التوقف متى شاء، يبقى في القيد وهو يظن نفسه حرًّا. وبعد الاعتراف جاء الأصعب: الابتعاد. غيّرت طريقي إلى البيت حتى لا أمرّ ...

دروس الحياه

صورة
 الدروس التي تعلمتها: رسالة بلال إلى كل من يقرأ أربعة وخمسون عامًا مضت، ولو جلست أمامك اليوم وسألتني: ما الذي تعلمته؟ لقلت لك إنني تعلمت أكثر من كل كتاب قرأته، لكن بثمن لم أكن أتمنى أن أدفعه. وهذه الدروس لا أكتبها لأعظك، بل لأضعها بين يديك كما يضع الأب خبرته أمام أبنائه. أنا بلال، وفي مقالاتي السابقة حكيت لكم عن الطفولة الخجولة، والتمرد، والضياع، والسجن، ثم التغيير والعمل والزواج والأبناء، وصولًا إلى الخمسين. واليوم أجمع لكم خلاصة هذه الرحلة كلها. الدرس الأول: الصمت ليس حماية. كنت طفلًا أبتلع كلماتي خوفًا من السخرية، وظننت أن الصمت يحميني. فاكتشفت أن ما لا نقوله يتراكم في داخلنا حتى ينفجر في صورة تمرد أو هروب. تكلّم مع من تثق به، واطلب المساعدة مبكرًا، فالكلمة التي تقولها اليوم قد توفر عليك سنوات من الألم. الدرس الثاني: الحرية الحقيقية مسؤولية. ظننت في شبابي أن الحرية أن أفعل ما أشاء، فانتهيت إلى سجن وشارع وكأس. أما الحرية الحقيقية فهي أن تملك قرارك، وأن تقول لا لما يؤذيك، وأن تعيش بما يرضي ضميرك. الدرس الثالث: الصديق يُعرف في الشدة. تعلمت من سامر أن الصداقة لا تُقاس بعدد السنين، ب...
صورة
 الخمسون: حين صار الماضي يطرق بابي في صباح عيد ميلادي الخمسين، لم أسمع احتفالًا ولا تهنئة، بل سمعت صوتًا هادئًا في داخلي يقول: وصلت. وقفت أمام المرآة، رأيت شعرًا بدأ الشيب يغزوه، وعينين أتعبهما السهر والأيام، ووجهًا يحمل حكاية لا يعرف أحد نصفها. وشعرت أن العمر الذي كنت أركض فيه فجأة توقف ليسألني: ماذا فعلت بي؟ أنا بلال، وفي مقالي السابق حكيت لكم عن الأربعين وكيف بدأت أرى الحياة بعين أخرى. واليوم أحكي لكم عن الخمسين، العقد الذي علّمني أن الجسد له كلمته، وأن الماضي مهما دفنته يعرف طريقه إليك. حين دخلت الخمسين، بدأ جسدي يتكلم بلغة لم أكن أفهمها من قبل. سنوات الوقوف الطويلة في المطبخ، بين النار والبخار والحرارة، تركت أثرها على قدميّ وظهري وركبتيّ. صرت أستيقظ صباحًا وأحتاج دقائق حتى أقف على قدميّ. وأحيانًا أعود من العمل وأجلس على حافة السرير لا أقوى على خلع حذائي. كنت أقول لنفسي في شبابي: التعب ينتهي بالنوم. فاكتشفت أن بعض التعب يتراكم ولا ينتهي، بل يصير جزءًا منك. وجاءت الفحوصات الطبية. تلك الزيارات التي كنت أؤجلها سنوات، صرت أذهب إليها وأنا أحمل في قلبي خوفًا لا أبوح به. جلست أمام الط...